هزمتك يا آذار


هزمتك يا آذار

يأتيني آذار محمّل بالبراعم والورود والألوان واللوز الاخضر ، يأتيني حاملاً معه كل ما أحب وأشتهي... يأتي في زمن الفصح وفي ذكرى الصلب والقيامة أسمى أعياد المسيحيين ..…. كان يفرحني كل شيء في آذار ، الى أن أثبت مقولته الشهيرة التي تليق به فعلا : الغدار.
انه آذار الغدار .. وتحديداً في اليوم الثالث والعشرين منه .... يومها تسلل الى فراشي ، وأيقظني ليلاً على وقع خطوات همجية ، سريعة ، ملؤها غضب وتحد قائلا : قومي ! قومي من نومك ، استفيقي ! يا باعثة الأمل في النفوس ....ها قد كسرتك وبت بلا أمل .....و بلا أب ..!
لم أصدقه طبعاً ، ذلك المغتال  المحتال . وعدت استغرق في نومٍ عميق (ورثته عن ابي) واذا بأبي يأتيني في الحلم مرددا بصوت ملؤه فرح : لا تبك يا ابنتي ....لا تبك يا ابنتي ..... عندها فقط ! أدركت ان أحلامي اغتيلت ، وبت في اليقظة الفاصلة .....وأيقنت ان صلواتي وادعيتي الّا أرى والدي يوما ، باكيا ، شاكيا ، متألما ، ممدداً على سرير ما قبل الموت .. قد وصلت الى قلب الآب .. ان ذلك الأب الفارع الطول ، القوي البنية ، الذي يتفتت الصخر من تحت أقدامه ، ويهدر حباً وطاقة وتوهجاً ..قد إنطفأ...وأن تلك البدلة العسكرية التي كنت افتخر انها ترتدي أبي ، والتي كان هو يرتديها بكل فخر ، في وقت كان هناك كثيرون ممن يخجلون بها ، سوف اتسلمها واضمها فارغة الا من رائحته الطيبة وكرامته التي تشهد عليها كل طيّة من طيّاتها، وعزّها الذي اعتدت ان اعتز به وبها كلّما ارتداها ، وهو يمسك بيدي ليرافقني سيراً على الأقدام من بوابة المدرسة الى قلب البيت. بيت ابي الذي ورثته أنا عن أبي ... البيت الذي سكنه اكثر من خمس وثلاثين عامًا ، الذي وان نطقت يوماً حيطانه ، لباحت بأسرار عائلة امسكها ربها بيد جبارة من حب ، وشجاعة تفضحها الملامح و كرامة مرسومة على جبين أبى ان ينخفض في عز زمن طأطأة الرؤوس و"أمرك سيدنا"…. وهامة أرز تربى في ظلاله ...ووقع أقدام كانت ما ان همّت بالدخول،حتى ركضن البنات الثلاث الى حضن تنتصر فيه الطيبة على القوة وإن عقد الحاجبان غضباً او عقاباً. و كانت طاولة الطعام عندما نجتمع حولها تمحو الذنوب ، وتعيد الضحكة والنكتة وعليها تعلمنا جميعا الشهية على الطعام والحوار، وهكذا فعل أولادي من بعده وفعلت أنا معهم..... وبقي حاضراً في كل البيوت وعلى كافة الموائد. …والاهم حاضر في كل الصلوات والأحلام ....وكأنه لم يرحل أبداً …يزور حلم جارتنا المريضة، يزور أحلام أمي وأخواتي وبنات وأبناء أخواتي …ويزورني أنا في الحلم وفي اليقظة ، في البيت وفي العمل ، وعلى درب تحقيق الأحلام يطمئنني، فأطمئن ....بنبهني فأتنبه…لا بل أنجو…يقبلني فأتحصّن... آذار يا آذار...هزمتك! انه هنا يسكن في كل التفاصيل ، حي اكثر بكثير ممن حولي احياء...فالموت لجهنّم ولأهل جهنّم ....فمن يسكنون الأعالي لا يموتون بل يحيون في ملكوت السماوات بجانب الرب..الحي القدوس ..ومن فوق ينثرون علينا نعم الربيع وزهور آذار....الغدّار..

انا الام العربية

 العالم كلّه يحتفل بعيدي، أنا الام العربية يهدوني الزهور والكلام المعسول  مرّة في السنة ويتركوني أواجه العالم كل أيام السنة

وأنا الام اللبنانية ، "أخجل" بجنسية حكم عليّ جاهل بان أحملها وأحياها على هويتي وليس في "أحشائي"...

 وأنا الام العربية ، أخضع لقوانين روحية ومدنية خشبية ، وأمومتي ما زالت تعيش تحت جناح عادات مجتمع تطالبني بكلّ شيء ولا تمنحني شيء… أنا أم عربية ، عاملة ومجاهدة وطموحة وكفؤة ،أعمل بجِدٍ وإخلاص وأنتقل ب"رجولة " ما بين عملي ومملكتي … أنا أم عربية ثائرة ترونني أتقدم الصفوف الامامية للثورات ،وأنادي بالحرية وأهتف باسم العدالة وأصرخ ضد الظلم …أنا أم عربية ،أحب بيتي وأرعاه وأحضنه وأحصّنه ضد كل انواع الهزات التي ما ان تقع حتى أتحمل أنا كامل مسؤوليتها …أنا أم عربية إن رحلتُ يتيتّم أولادي من بعدي ، وإن فرحت أفرح لفرح أولادي ، وإن حزنت أخبئ حزني بعيداً عن عيون أولادي…

 أنا طفلةٌ عربيةٌ ، حلمت منذ صغرها بأن تكون أماً عربيةً ً، وها هم أولادي يقتلون ،ويغتالون ، ويعتقلون ويقمعون باسم " الامة العربية " ……

 أنا أم عربيةَ  الهوية …عالمية التوجه ،مثقفة، متحضرة ، جميلة، ولكني ما زلت أداوي اطفالي بأدوية وفلسفتي جدّتي الامية  … أنا أم عربية تحمل لقب أرملة أبدية ، إن شاءت العناية الإلهية أن تبقيها بلا شريك ً… وإن حدث وهرب ذاك "الشريك" من مسؤوليته وتركها لمسؤوليتها ، وإن كان يحيا ويحيا و…يحيا وهي تحلّق وتحلّق وتحلّق ً… إعتبروها "مكسورة الجناح" وانكسارها ضرورة ! وإلاًّ….    

 أنا ام عربية  ، "بالفطرة" تغضّ النظر عن أخطاء ابنها ولا يرمش لها جفن وهي تقوم بفعل مراقبة. إبنتها ..... أنا ام عربية ، قوية مادياً ومعنوياً وإجتماعياً ، لكني أهوى العيش في كنف رجل يحميني مادياً ومعنوياً وعاطفياً… أنا أم عربية في حياتي مشروع رجلٍ ،قد ينص يوماً القوانين ،وقد يدافع عن المظلومين ،وقد يحدث أن يهاجر إلى أقاصي الارض لكنه حتماً سوف يلتقي بإمرأة أحلامه لتكون اماً عربية لأولاده ،وهي سوف  تكون حبيبة  ورفيقة لرجل لا يؤمن بالمساواة ،بل بالتفوق … يعتبرها شريكةً وليست تابعا…رفيقة عمر وليست عابرة فراش ، أما لأولاده  وليست مربية لأولاده … سوف لن ينادي اي إمرأة على وجه الكون ب"عاهرة" ،ولا يستعمل مطلقاً لقب "مطلّقةً" ولا  " زانية " ولا "عانس" ولا "عاقر" ولا "ناقصة "

.......يومها فقط أكون قد استحقيت لقب الام "المعلمة " وليس الام العابرة …